عبد الرحمن بدوي
175
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
وهو مسكن للروح ، والزبل ظاهر العفونة ؛ فالزبل - لنقصان قوته - يعجز عن مثل فعل الدم في المداخلة . فقوة الزبل في تحليله بالعفونة ، وقوة الدم بالحرارة ، وقرب العهد بمجاورتها الروح . قال أفلاطون : وفي الزبل ، لفرط العفونة ، قوى تطلب المفارقة ؛ فبطلبها ذلك تداخل العمل فتنجع . قال أحمد : قد قلت بدءا وكثر كلامي في كتبي في هذه العلّة وأعلمت محبّى العمل أن الزبل يجتذب القوى البرّانية لفقره إليها ، وبرهنت ذلك بما يحدث في السماء والزرع ، وأن ما كان فيها من القوى طلب مفارقتها ، إذ العفونة تفاوت التركيب ومفارقة الصّفو . فيقول الفيلسوف إن القوى الطالبة لمفارقة السماء تداخل العمل وتدبره فيكون منجعا . قال أفلاطون : والدم يفرط فيدخل على العمل ما لا يشاكل فيفسد . قال أحمد : لما كان الدم قريب العهد بمجاورة النفس كان جوّالا نفّاذا ، فبفرط جولانه وتداخله يدخل على العمل ، مع ما يداخله من الصفو ، الكدر ، فيكون ذلك الداعي إلى الفساد . قال أفلاطون : فلا يستعمل الدم إلّا في الجاسى البطيء . قال أحمد : إن من الأشياء ما يضعف حلها ويستحيل أن ينحلّ في الزبل ، فيضطر العامل إلى أن يحلّه في الدم ، ولا يتم له حينئذ ما يريد أيضا حتى يستعين بالنار ويغلى الدم غليانا شديدا . فإذا خاف أن يخرج عن حدّ الرطوبة أمدّه بالماء . فينهى الفيلسوف أن يستعان بالدم إلّا فيما لا يعمل فيه الزبل . قال أفلاطون : وما كان يسهل حلّه ، فارفعه عن الزبل إلى ما هو أرفع منه . قال أحمد : كما حاد في تحليل الأشياء الرخوة عن الدم ، كذلك يأمر أن يستعان في حلّ ما لطف جدّا بما هو ألطف من الزبل ، كالماء الحارّ والخمر . قال أفلاطون : والماء الحارّ وإن داخل لم يغير . قال أحمد قد يجب أن أتعلم ان الماء إذا فارق الشئ فلا يبقى فيه من جنسه